الجصاص

384

أحكام القرآن

لاجتماع سبب الحضر والإباحة في تلفه ، فجعل الحكم للحظر دون الإباحة . وكذلك لو اشترك مجوسي ومسلم في قتل صيد أو ذبحه لم يؤكل . مطلب : إذا اجتمع سبب الحضر والإباحة كان الحكم للحظر دون الإباحة وجميع ما ذكرنا أصل في أنه متى اجتمع سبب الحضر وسبب الإباحة كان الحكم للحظر دون الإباحة . وأما قوله تعالى : ( والنطيحة ) فإنه روي عن الحسن والضحاك وقتادة والسدي أنها المنطوحة حتى تموت . وقال بعضهم : هي الناطحة حتى تموت . قال أبو بكر : هو عليهما جميعا ، فلا فرق بين أن تموت من نطحها لغيرها وبين موتها من نطح غيرها لها . وأما قوله : ( وما أكل السبع ) فإن معناه : ما أكل منه السبع حتى يموت ، فحذف ، والعرب تسمي ما قتله السبع وأكل منه أكيلة السبع ، ويسمون الباقي منه أيضا أكيلة السبع ، قال أبو عبيدة : ( ما أكل السبع ) مما أكل السبع فيأكل منه ويبقى بعضه وإنما هو فريسته . وجميع ما تقدم ذكره في الآية بالنهي عنه قد أريد به الموت من ذلك . وقد كان أهل الجاهلية يأكلون جميع ذلك فحرمه الله تعالى ، ودل بذلك على أن سائر الأسباب التي يحدث عنها الموت للأنعام محظورا أكلها بعد أن لا يكون من فعل آدمي على وجه التذكية . وأما قوله تعالى : ( إلا ما ذكيتم ) فإنه معلوم أن الاستثناء راجع إلى بعض المذكور دون جميعه ، لأن قوله : ( حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به ) لا خلاف أن الاستثناء غير راجع إليه ، وأن ذلك لا يجوز أن تلحقه الزكاة ، وقد كان حكم الاستثناء أن يرجع إلى ما يليه ، وقد ثبت أنه لم يعد إلى ما قبل المنخنقة ، فكان حكم العموم فيه قائما وكان الاستثناء عائدا إلى المذكور من عند قوله : ( والمنخنقة ) ، لما روى ذلك عن علي وابن عباس والحسن وقتادة وقالوا كلهم : " إن أدركت ذكاته بأن توجد له عين تطرف أو ذنب يتحرك فأكله جائز " . وحكى عن بعضهم أنه قال : الاستثناء عائد إلى قوله : ( وما أكل السبع ) دون ما تقدم لأنه يليه ، وليس هذا بشئ ، لاتفاق السلف على خلافه ، ولأنه لا خلاف أن سبعا لو أخذ قطعة من لحم البهيمة فأكلها أو تردى شاة من جبل ولم يشف بها ذلك على الموت فذكاها صاحبها أن ذلك جائز مباح الأكل ، وكذلك النطيحة وما ذكر معها ، فثبت أن الاستثناء راجع إلى جميع المذكور من عند قوله : ( والمنخنقة ) ، وإنما قوله : ( إلا ما ذكيتم ) فإنه استثناء منقطع بمنزلة قوله : " لكن ما ذكيتم " كقوله : " فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس ) [ يونس :